فخر الدين الرازي

97

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المنديل » وبين قوله : « مسحت يدي بالمنديل » يكفي في صحة صدقه ما إذا مسح يده بجزء من أجزاء المنديل . الثالث : أن بعض أهل اللغة قال : الباء قد تكون للتبعيض ، وأنكره بعضهم ، لكن رواية الإثبات راجحة فثبت أن الباء تفيد التبعيض ، ومقدار ذلك البعض غير مذكور فوجب أن تفيد أي مقدار يسمى بعضا ، فوجب الاكتفاء بمسح أقل جزء من الرأس ، وهذا هو قول الشافعي ، والإشكال عليه أنه تعالى قال : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ * [ النساء : 43 ] فوجب أن يكون مسح أقل جزء من أجزاء الوجه واليد كافيا في التيمم ، وعند الشافعي لا بد فيه من الإتمام ، وله أن يجيب فيقول : مقتضى هذا النص الاكتفاء في التيمم بأقل جزء من الأجزاء إلا أن عند الشافعي الزيادة على النص ليست نسخا فأوجبنا الإتمام لسائر الدلائل ، وفي مسح الرأس لم يوجد دليل يدل على وجوب الإتمام فاكتفينا بالقدر المذكور في هذا النص . المسألة السابعة : فرع أصحاب أبي حنيفة على باء الإلصاق مسائل : إحداها : قال محمد في « الزيادات » : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق بمشيئة اللّه تعالى لا يقع الطلاق ، وهو كقوله : أنت طالق إن شاء اللّه ، ولو قال : لمشيئة اللّه يقع ، لأنه أخرجه مخرج التعليل ، وكذلك أنت طالق بإرادة اللّه لا يقع الطلاق ، ولو قال لإرادة اللّه يقع ، أما إذا قال : أنت طالق بعلم اللّه أو لعلم اللّه فإنه يقع الطلاق في الوجهين ، ولا بد من الفرق ، وثانيها : قال في كتاب الأيمان لو قال لامرأته : إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني فأنت طالق ، فإنها تحتاج في كل مرة إلى إذنه ، ولو قال : إن خرجت إلا أن آذن لك فأذن لها مرة كفى ، ولا بد من الفرق ، وثالثها : لو قال لامرأته : طلقي نفسك ثلاثا بألف ، فطلقت نفسها واحدة وقعت بثلث الألف وذلك أن الباء هاهنا تدل على البدلية فيوزع البدل على المبدل ، فصار بإزاء من طلقة ثلث الألف ، ولو قال : طلقي نفسك ثلاثا على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء عند أبي حنيفة لأن لفظة « على » كلمة شرط ولم يوجد الشرط وعند صاحبيه تقع واحدة بثلث الألف . قلت : وهاهنا مسائل كثيرة متعلقة بالباء . ( أ ) قال أبو حنيفة : الثمن إنما يتميز عن المثمن بدخول حرف الباء عليه ، فإذا قال : بعت كذا بكذا ، فالذي دخل عليه الباء هو الثمن فقط ، وعلى هذا الفرق بنى مسألة البيع الفاسد فإنه قال : إذا قال : بعت هذا الكرباس بمن من الخمر صح البيع وانعقد فاسدا ، وإذا قال بعت هذا الخمر بهذا الكرباس لم يصح ، والفرق أن في الصورة الأولى : الخمر ثمن ، وفي الصورة الثانية : الخمر مثمن ، وجعل الخمر ثمنا جائز أما جعله مثمنا فإنه لا يجوز . ( ب ) قال الشافعي : إذا قال بعت منك هذا الثوب بهذا الدرهم تعين ذلك الدرهم ، وعند أبي حنيفة لا يتعين . ( ج ) قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] فجعل الجنة ثمنا للنفس والمال . ومن أصول الفقه مسائل : ( أ ) الباء تدل على السببية قال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ * [ الأنفال : 13 ] هاهنا الباء دلت على السببية ، وقيل : إنه لا يصح لأنه لا يجوز إدخال لفظ الباء على السبب فيقال ثبت هذا الحكم بهذا السبب .